لن أستطيع محاباة جنود الإحتلال ومحاولة الرطن معهم بالعبرية كما يفعل البعض

لن أستطيع محاباة جنود الإحتلال ومحاولة الرطن معهم بالعبرية كما يفعل البعض
حبيبتي ...أنا ما زلت على الوعد

بقلم: أنس أبوسعده – هولندا

ها أنا وكما وعدتك في رسالتي السابقة، الملم حقائبي وأستعد للسفر اليك.. بودّي أن أغمض عينّي وأفتحهما، فأجد نفسي أكحّل عينّي بوجهك الجميل.. وجهك الذي يشبه ربيع بلادي، وزهر النرجس البرّي في جبالنا الخضراء.. لا أستطيع الصبر لموعد رحلة الطائرة، ولا لأنتظر الساعات الطوال كي أصل الى الحدود التي تفصل الاردّن عن فلسطين.. لن أستطيع صبراً وأنا أقطع بضع كيلومترات في تلك الحدود. ولا أن أزاحم العائدين على "الجسر"، وأملئ عشرات الاستمارات، أو أن أتبّعَ إجراءات الوقوف في الصفوف الطويلة، والصعود والنزول المتكرر للحافلات التي تنقلنا لمسافة قصيرة جداً، لكن بوقت ثقيل وطويل.. لن أستطيع محاباة جنود الإحتلال ومحاولة "الرطن" معهم بالعبرية كما يفعل البعض..
أتمنى لو أستطيع الطيران وأختصر كل التعقيدات والمسافات، أو أنهي كل إجراءات الاذلال المنظم الذي يواجهها كل فلسطيني، وهو يدخل أو يخرج من وطنه مع كل معاناة الانتظار والتدقيق المتكرر والبحث عن أمتعته على الارصفه.. وكأنه صندوق أسود يحتاج لمن يفتحه ويعرف أسراره، وليس أنساناً له الحق في السفر والتنقل بحرية في أرجاء وطنه وخارجه..
أريد أن أعود اليكِ بلمح البصر، لاعيش معك وبك طوال العمر..وسأعيش معك أينما كنتِ، فلم يعد يهمني أن أبني عشنا الصغير في بلدتنا، كما كنت أصّر في الماضي.. المهم أن يكون على قمة الجبل، كما كنت دائماً تحلمين.. في طولكرم أو الناصره.. على جبل عيبال أو على قمة الجرمق أو على سفح جبال صفد، لو أحببتِ.. فكلها أرضنا ويمكنك الاختيار!
أتذكرين وحين كنا طفلين، كيف كنا نتسابق من منا يقطف الأزهار البرية الأجمل؟ وكيف كنت تفرحين حين تجدي الزعتر البرّي بين الصخور؟ أو زهرة الأقحوان؟ كم كان يعجبك تسلق الجبال العالية، خاصة حين كانت تطل على منظر جميل.. وكنت أسمعك دائماً عندها تقولين: ما أَجملكَ من بلد، وما أَنعَشكَ من هواء، وما أغلاكِ من أرض.. وها أنا بعدما زرت معظم بلدان العالم، أيقنت أنه فعلاً ما أجملكَ من وطن وما أغلاكِ من أرض..
أتعرفين؟ ما زلت أتذّكر أن الهدوء يستهويك، فأنت لا تحبين الضجيج وزحمة الأسواق. فلا بأس، سأسرق بعض الوقت لاستمتع أنا كما كنت بأصوات البائعين، وهم يصرخون لبيع بضاعتهم .. وسأستمتع برائحة البرتقال والخوخ والشمام الفلسطيني.. فما زلت أعشقها كما أعشق الحديث اليك..وكما أعشق الأرض التي تمشين عليها..
لا تستغربي عزيزتي إن عرفتِ أنني من أجلك أقلعت عن التدخين! وأني صرت أحب زهرة الياسمين مثلك وأكثر من حبي لزهرة الجوري! وأتخيل أني سأجد اللذة في طعم "الحصرم" و "الجرانك" الأخضر، ما دمت أنتِ من سيقطفه لي.. وأني بدأت أفكر بأن يكون لنا أولاد كثر، وليس كما كنت دائماً أصّر بأن يكونوا أربعة فقط! ولا يهمني إن كانوا ذكوراً أو إناثاً.. لكن حبيبتي إتركي لي إختيار أسمائهم مهما كان عددهم.. فأسّمي الأول "فلسطين" والثاني "فلسطين" والثالث "فلسطين" و.... "فلسطين"..
وأرجوك إن وصلت رسالتي هذه قبل أن أصل، أن تدعو لي الله أن يبعد عني الشر والاشرار ومشاق الوصول اليك.. وتمنّي لي السلامة وطيب الاقامة في ربوعك يا أحلى وطن ويا أجمل معشوقة..

التعليقات